السيد محمد حسين الطهراني

50

معرفة الإمام

ذمّ طلحة والزبير وعائشة فان قيل : لما ذا قال الإمام : « ولو لم أكُ فيكم ، لما قوتل أهل الجمل وأهل النهروان » ولم يذكر صفّين ؟ قيل : لأنّ الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس ، لأنّ الزبير وطلحة موعودان بالجنّة ، وعائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله في الآخرة ، كما هي زوجته في الدنيا . وحال طلحة والزبير في السَّبْق والجهاد والهجرة معلومة . وحال عائشة في محبّة رسول الله صلّى الله عليه وآله لها وثنائه عليها ، ونزول القرآن فيها ( في قصّة الإفك ) معلومة . « 1 » وأمّا أهل النهروان فكانوا أهل قرآن وعبادة

--> ( 1 ) - إنّ ما ذكره ابن أبي الحديد من وعد طلحة والزبير وعائشة بالجنّة ينطلق من مذهبه وهو مذهب العامّة . ولكنّ أصحابنا الإماميّة لا يقرّون بهذه الأخبار ، وأثبتوا بطلانها في كتبهم الكلاميّة مفصّلًا . وتستبين هذه الحقيقة أيضاً ممّا ذكرناه في أجزاء كتابنا هذا « معرفة الإمام » من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة ، لأنّنا لو فرضنا صحّة الخبر القائل بوعدهم الجنّة ، فإنّه يدلّ على حالهم أو عملهم الذي يستوجبون به الجنّة ، أي في خصوص ذلك الظرف ، ولا يدّل أبداً على أنّ ذلك العمل الجزئيّ يوجب الخلود في الجنّة ، وإن صدرت بعده أعمال سيّئة يستحقّ صاحبها النار . وبغضّ النظر عن الروايات التي لا تحصى ، وقد وضعها الوضّاعون لتزكية كثير من الصحابة الذين يعنيهم أمر الخلافة والشهادة لهم بأنّهم من أصحاب الجنّة ، كما دلّ ذلك على التأريخ الصحيح ، فإنّ رواية ما ، لو وردت في مدحهم أحياناً ، فهو مدح الجملة ، وفي زمن خاصّ وظروف خاصّة . ومن الواضح أنّ المدح لا معنى له إذا زالت موجباته . مثلًا لو جاء غريب إلى منزلك يوماً ، وتغدّى عندك ، وقام بخدمة لك في البيت إذ كنسه ، وسقى الأوراد ، وشذّب الأشجار ، فاستحسنتَ عمله وباركته ، فلا يدلّ هذا على أنّ جميع أعماله حسنة . وربّما قام هذا الضيف الغريب ليلًا ، وواقع زوجتك . وذبح ابنك ، وسرق ذهبك وجواهرك وولّى . فلو قبضتَ عليه ، فإنّه لا بدّ أن يرجم لزناه بزوجتك قسراً ، ولا بدّ أن يقتل لقتله ولدك ، ولا بدّ أن تقطع يده لسرقته مالك ، وحينئذٍ ليس له أن يقول لك : أنت مدحتني ورحبّت بعملي وباركته . ومضافاً إلى أنّه ليس من حقّك أن تقتصّ منّي وتعاقبني ، فعليك أن تبيّتني في منزلك الليلة كما بتُّ فيه البارحة جزاء لما قمتُ به